حيدر حب الله
204
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
المحافل العلمية والمؤسّسة الدينية ، بل بلغ به بعضٌ حدّ كونه شرطاً من شروط الاجتهاد ، فكما أنّ بعض العلوم تقع في مقدّمات الاجتهاد كالمنطق والأصول والنحو والبيان والتاريخ والحديث والرجال وغير ذلك ، من الضروري إضافة علم جديد يشكّل شرطاً إضافياً ، وهو علم فلسفة الفقه ، فكأنّ هناك حلقةً مفقودة في سلسلة مقدّمات الاجتهاد جاء علم فلسفة الفقه ليسدّها . من هنا ، فأهميّة فلسفة الفقه أنها تلعب نفس دور مقدّمات الاجتهاد ، فهذه المقدّمات تشكّل ضماناً نسبياً لعدم وقوع الفقيه في الخطأ أثناء ممارسة العملية الاجتهادية ، فكلّما ازدادت معرفة الفقيه باللغة كان فهمه للنصوص أقرب - نظرياً - إلى الصحّة والصواب ، وهكذا . . وهذا ما يقوم به علم فلسفة الفقه أيضاً ، لكن كيف ؟ إنّ الجواب عن هذا السؤال يستدعي أن نعرف أنّ العملية الاجتهادية ، كأيّ عملية فكريّة بشريّة تصدر من شخص غير معصوم ، محكومة لخلفيّات وبُنيات تحتية وتحيّزات ذاتيّة غير ملاحظة بالوجدان الشعوري ، وإنما تسري في النفس بطريقة سيّالة خفيّة قد لا ينتبه إليها الإنسان نفسه ، وهذه الخلفيّات والذهنيات والمصادرات والسياقات والمناخات الحافّة بعملية الفهم ، قد تكون أحياناً وليدة نظريّات فكرية جاءت للباحث من اجتهادات أخرى ، وهو لا يشعر كيف تركت تلك تأثيرها عليه ، وقد تكون ناتجةً عن سياق تربوي جمعي أفرزته الأوضاع الاجتماعية والسياسية والطبقية المحيطة بالباحث كذلك . ولا تبدو للباحث - للوهلة الأولى - أشياء من هذا النوع ، لكنّ فيلسوف العلم يحاول الكشف عنها واستجلاءها والقيام بتجسير ما بين العلم وبينها ، وهنا إذا تمّ تسليط الضوء عليها ودُرست بشكلٍ واعٍ ، فإما أن تتعمّق وتتضح صحّتها أكثر